|
|
|
|
![]()
|
|---|
أهل السيدة
للكاتبة الكبيرة : جاذبية صدقى
العدد 1633 - 27 يناير 1
فى هذا الحى, حى أم هاشم المزدحم ولدت وترعرعت وعشت أهنا أيام عمرى بين جنباته ، ولم أفارقه الايوم تزوجت وعندما أزوره الان لا خلع حذائى واحشر نفسى بين زائرات الست الطاهرة المس قضبان مقامها المذهبة واتلو الفاتحة أو أحمل معى علبة لاملاها من مخلل المعلم أبو شنب " الشهير ، ثم أتعزل فى قطع الخيار واللفت العائمة فى مائها البمبى على المهل فى بيتى أو اترك سيارتى فى الميدان وادس نفسى بين الجموع التى أوحشتنى فى شارع السد اشترى
-تفرج
..... عن قريب تفرج باذن واحد ....أحد !
فتنحنى عليها زائرة أو اثنتان وقد انشرح صدراهما للغأل وتعطيها كل منهما مافيه
القسمة وهى تغمغم وصوتها رعاش من لهفة وحرقة :
أن شاء الله يا شيخة بطاطة ...... أن شاء الله !
فتدعى المراة الذكية عدم مبالاة بالدنيا الغانية ومباهجها – والمال أولها فيظل
القرش ملقى فى حجرها حتى تختفى العاطية فى الزحمة فتسحبه " الشيخة بطاطة " بسرعة
لتقلبه وتعاينه وتعضه بأسنانها ثم ترفع ركبتها بعض الشى موتدس القرش مع اخوان له
كثيرين تحت رقعة الحصير التى تجلس عليها أمام باب " أم العواجز " . ولا يرى النور
بعد ذلك الافى الهزيع الاخيرة من الليل عندما تدفع به " الشيخة بطاطة " مع قروش
اخرى – ربما كانت كل ما جمعته فى يومها – فى يد " قناوى " مقابل لغة من النشوق "
قال لى ذلك " عم مدبولى " النجار " ليسلينى ويلهينى عن الامى وهو يحملنى على ذراعيه
يوم صدمتنى سيارة مسرعة كنت أحاول أن أكون أسرع منها . وكان الرجل الطيب مكبا فى
دكانه على راس حارة " الناصرية " ......... بدق رجلا رابعة لطبلية من تلك الطبالى
الصغيرة المستديرة التى تخرط عليها " الملوخية .... عندما سمع صرختى وتصايح الناس .
وكنت أحاول المروق بعرض الشارع لاحق ب" عم حسن " بائع الاطباق المصنوعة من الحلوى
السمسمية ، ولها أغطية على قمة كل غطاء حبة كرز مسكرة نمسكه منها ونرفعها بها .
ويرصها " عم حسم " رصا شاعريا جذابا على رفوف داخل عربة زجاجية يدفعها وهو يترثم
بصوته الاجش الحنون :
والله زمان .... حلاوة السيدة زنيب ! فلما ضربنى " رفرف " السيارة والقانى على الطور انكمش مذعورة يدور راسى واشعر برغبة قوية للنوم . هب " عم سند " بوابنا الزنجى الذى عمره من عمر بيتنا .... يلطم وجهه ويخشمه ويحوقل ويبسمل فى حسين. تجمع أهل الحى رجالا ونساء واطفالا . . الاطفال صامتون كالبكم على اكاف أمهاتهم ، والنساء يولون والرجال منحنون بجانبى يتفاوضون فى أمرى . ثم زجر الرجال النساء واستوقفوا سيارةاجرة ركب فيها " عم مدبولى " النجار – أول من تلقانى عن الارض – وتسلقت خلفه زوجته وانا على حجرها . ودخل وراءهما ثلاثة أخرون من عيون الحى : " أوسطى عنب " الحلاق ........... وامام الجامع ........ والبقال . وتوجهوا بى الى الاسعاف حيث ضمدوا جراحى ونضحوا وجهى بالماء واشمونى نشادر واعلنوا انى لم أصب الابذعر وبعض الرضوض حينئذ......... وحينئذ فقط ..... عاد بى أهل الحى الى امى . وكان " عم سند البواب قد استخفى فى ظلته الخشبية وصبر فلم يخبر " الجماعة فوق " عما حدث لى . وظل الجميعفى الحديقة يفترشون حشيشها فى حين صعد بى " الاسطى عنب " وحده فهو يعرف البيت لانه يأتى صباح كل " جمعة " ليقص شعور أخوى وعلى " باب الحريم " تنحنح وصفق بيديه . فلما أطلت مربيتنا وراتنى لا يبين من راسى سوى عينين مذعورتين شهقت وضربت صدرها ضربات مرنمة مع ولولتها :
وبعد ذلك عادوا الى منازلهم . متحمسين فى أكبار بجارتهم صارمة الشخصية " الرجل تمام " ! لكن ........ فى تلك الليلة . وبعد أن نمنا كلنا . بكت – وتقسم " أم وهيبة " على ذلك وهى تهمس الى – تقسم ان امى بكت طويلا فى حجرتها . تهاوت على الارض تدفن وجههابين ذراعيها ....... ترتكن بهما على مقعدها الوثير " الشيزلونج " وبكت . وبكت الارملة الشابة أم الاولاد العشرة تربيهم وحدها . بكت وصامت اليوم التالىى حمدا لله على نجاتى وبعد يومين ........ عندما غادرت الفراش والتأمت جراحى تجاهلت تجاهلا تاما أوامر أمى المشددة بالاكتفاء بحديقة البيت التى يصد سورها الدنيا فى الخارج عنا . فجررت أخواتى ورائى وتلصصنا واحدة وراء الثانية الى الشارع . الحلم النابض بحياة شائقة تسرى حيويتها فينا فنندمج بكليتنا كاننا بعض منه ودلفنا من حارة الى حارة نلعب " الحجلة " ........ ونشترى لادنا ..... " واصابع الهانم " و" براغيث الست " ..... ونقفز على الحبل وقد انضمت الى زمرتنا " نبوية " ابنة الفران وبنات خالتها الثلاث : " لواحظ " و" انعام " و" سمارة " . وكنت أحب هؤلاء البنات الاربع حبا عظيما واعتبر حياتهن التى يعنها قطعة من الجنة . فأحسدهن على عدم الذهاب الى مدرسة . وعلى لبس قبقاب تزينه جلاجل رنانة ..... وعلى ذخيرة من اللفاظ وشتائم لا افهمها ..... وعلى صغيرتين تتدليان من تحت منديل راس كل بنت تصغرها بمزعة من نسيج ثوبها الذى ترتديه فى يومها . وبلغ من تعلقى بأولئك الصاحبات انننى رحت أقلدهن أما متعمدة أو ساهية بحكم المعاشرة . فأتثنى فى مشيى ..... وأحك شعرى بأصبع فى حين ارفع أصابعى الاخرى فى الهواء كانها حراس .......... وافرقع باللادن فى فمى . وقد حاولت مرة أن اخرج من الحمام بالقبقاب وأدور به فى أنحاء البيت . ولم أهنا بخطوتين أو ثلاث رنت فوق بلاط الدهليز وانا أتيه غادية بقلب نشوان ..... أتاود بعنقى يمينا وشمالا . واتيه بمنديل الراس الذى لفت به " ام وهيبة " شعرى المبتل حتى اشلنى فى مكانى صوت أمى الغاضب :
يا
......... بنت !
وكان نصيبى لطمة صححت من وضع عنقى فورا ، وأمرا لا يقبل جدلا بارتداء الجورب
والحذاء من طلعة الصبح حتى دخولى فراشى . وهكذا حرمت متعة نظافة ما قبل النوم أو
حتى تلعيب أصابع قدمى فى الهواء داخل الخف المريح أسبوعا كاملا . فهو وأن لم يكن
يفرقع على السجادة أو البلاط كقبقاب " سمارة " و" لواحظ " فانه أرحم من الحذاء
الاسود المغلق والجوارب الاسود الذى يصل لركبتى وفى يوم زارتنا " أم ابراهيم " زوجة
أمام المسجد " فتربعت على الاريكة الى جانب أمى التى راحت ترحب بها وتقوم تجلب لها
بنفسها فنجانا وراء فنجان من قهوة وقرفة . وصحونا تهيل عليها فاكهة وكعكا محشوا "
عجمية " . فتتمنع " الست أم ابراهيم " تمنع الشبعى التى تتمرغ فى الخير . فتلح
عليها امى .... فترفض . فتقسم أمى بالعظيم أن تذوق ضيغتها حتما كعكة ..... كعكة
واحدة فقط . فتتناولها المراة باصبعين فى تأدب وتنهشها نهشا خفيفا متكلفا . حتى
تأتى عليها . فتهب أمى بصحن الكعك تعرض عليها واحدة ثانية . فلا تتمنع الضيفة طويلا
بل تبرق عيناها وهى تأكلها على راحتها هذه المرة ، وتتمصص أصبعا اصبعا تلعق عنها
السكر الناعم وهى تقول لامى :
- طعم صحيح .... تسلم يداك وذلك العصر ... بعد السلامات والمجاملات . وبعد أن أكلت
" أم ابراهيم " حتى امتلات وفكت أزرار طوقها ليساعدها على التنفس . تنحنحت وهى تربت
اللفيفة جنبها وقالت لاى :
جئت
اليوم يا ست هانم لادعوك الى حفل زفاف " الشيخ عبد المقصود " ... الخميس القادم
ورمتنى بنظرة متوددة حيث قبعت عند قدمى أمى أرقب . فى منتهى السعادة . كل ما يحدث
حولى واردفت :
- طبعا أنت .... واسم الله الهوانم الصغيرات ! فشعرت بقشعريرة فرح لا توصف لانى
سأذهب الى مكان جديد .... وأرى ناسا كثيرين ... واندس وسط زحمة . وهنا بسماع
الزغاريد . وأكل وامرح مع بنات الحى . ونظل نصعد السلم الى حجرة العروس ثم نهبطه
الى الحارة حيث الفرقة الموسيقية الصاخبة ..... ونصعد ثانية . ونتباهى بثيابنا
الحلوة . فشعرت بامتنان نحو " ام ابراهيم " فاض حتى اننى فى حماسى خرجت وجئت لها
بصحن أخر من الكعك كنتقد لمحته فى "النملية " .
فتلقفته منى المراة هاشة باشة تدعو لى باسمة :
- هاتى ياروحى ..... يد لا أعدمها ! ولاحت منى التفانة الى امى فوجدتها مقطبة
الجبين . فصعقت .... وارتجفت ركبتاى لاننى تذكرت فجاة .... وتلك اللحظة فقط . ان
امى كانت فداعلنتنا الظهر جميعا ان ذلك الصحن من الكعك هو نصيب اخى المسافر . فكدت
من جزعى أهجم على المراة وانتزعه منها ثانية ... لولا أن عقلى نصحنى أن اختلس نظرة
اخرى الى امى . فرايتها تعض شفتيها انذار لى وتحذيرا من ان أتى بحركة غير لائقة .
فأثرت الانسحاب أجرو قدمى وانزويت على كرسى فى ركن الحجرة اقلب فعلتى على جميع
وجوهها . وسمعت أمى تسال بصوتها الهادى :
- وهل الشيخ عبد المقصود ابن أخر لك غير ابراهيم ؟ لم أعرف .... فضحكت " أم ابراهيم
" وقالت
لا
..... والله يا ست . هو مقرى جامع السيدة " الضرير . شاب يتيم مجتهد احتضنه مولانا
. " وتنحنحت فى تواضع " .... زوجى . ووظفه معه فى الجامع حيث قام بعمله خير قيام
واقتصد من مرتبه مبلغا مناسبا وفاتح " سيدنا " فى امر زواجه حتى بجد انيسة له فى
حجرته الباردة ترعى شئونه وتنير دنياه ! وتململت فى جلستها تريح فخذها السمينوتستعد
لرواية طويلة :
- لن أطيل عليك الحديث يا هانم . جاءنى زوجى بالمهر وكلفنى بتزويج ربيبه الشيخ عبد
المقصود . حرت .... وقلت فى بالى : ما العمل يا ربى ؟ الرجل ضرير .... والبنات لن
ترضى . به وفجاة .... خطر لى خاطر قمت على اثره التع بملاءتى ونزلت الى الشارع
وحدثت " نعناعة " وخطبتها . وقبلت هى ودموع الحمد والشكر تسح على خديها ......
والزفاف الخميس القادم ! فرفعت امى وجهها فى صمت متسائل الى ضيفتها التى مالت عليها
تقرص ذراعها بطريقتها البلدية وتقول :
- بالك .... من نعناعة .... بياعة الفجل والجرجير !
فهتفت أمى بحرارة :
-الحمد لله ! كنت دائمة القلق على تلك البنت . خير ما فعلت والله يا ام ابراهيم ؟
فصاحت " ام ابراهيم " بفضول .
- هل تعرفينها ؟
- جاءتنى بفجل مرتين أو ثلاثا ... هنا فى البيت واشتريت منها وتحدثت معها .
الحمد لله .... الحمد لله ! فرحتنى ياام ابراهيم
- يتيمة ...... مقطوعة من شجرة تجد لقمتهابالغصب ففرحت لما خطبتها للشيخ عبد
المقصود وقالت لى :
ضرير أو مبصر .... رجل يحمنى ! وجاء الخميس . واستحممنا ..... وتهيانا . ولبسنا أثوابا مزركشة . واعطت أمى كلامن أخواتى الاربع الكبيرات مبلغا من المال لتدفعه نقوطا . وصحبتنا " أم وهيبه " تحمل سلة فيها زجاجتان من شراب البنفسج وراسان من السكر هدية . وذهبنا الى الفرح . وكانت ليلة ! تركت أخواتى فى حراسة " ام وهيبة " وانفلت مع البنات نصعد السم .... ونهبط .... ونحدث جلبة شديدة ... ونشعر بأننا أهم من العروسين وتفرجنا على العروس فى حجرتها ..... انحشرنا بين أجساد النساء المتزاحمات كل واحدة بكلمة أونصحية . ونظرت أنا .....أتا ملها طويلا بعين ثاقبة تبر . فاعجبتنى . اعجبتنى الصبية بوجهها الصبيح وسعادتها التى لا تخفيها على أحد . كانت تتحسس الثواب الذى البسوه لها وتبتسم وقد نسيت من حولها . ثم ترفع عينين راقصتين الى كل الموجودات وتفرك يديها المخضبتين بالحناء من فرط هنائها . سيكون لها بيت .... سيكون لها رجل يعطيها نقواد لتشترى طعاما دون أن تقطع الشوارع وراء قرش أو قرشين وعندما علت الزغاريد ودخل " الشيخ عبد المقصود " يسنده اثنان ويتحسس بعكازه مواقع قدميه .... أسلبت " نعناعة " عينيها فى حياء كانما تذكرت . لكنى لم أر فيهما اى ندم ..... أى حزن . كانت سعيدة بعيون من حولها . تراها . وتعجب بها . وبثوبها . وبشالها الحريرى الاحمر وانتهزت أنا فرصة سرور امى بزواج " نعناعة " وصرت من وقت لاخر أستاذنها فى زيارتها ، فتاذن لى بصدر رحب وتنادى " ام وهيبة " لتصحبنى . وقد تعطينى ل " نعناعة " هدية ..... شيئا مما فى البيت . ولو كان قطعة فطير أو نصف دجاجة . وقد لا يكون هناك شىء فلا تعطينى وتجلس " ام وهيبة " على الاريكة البلدية فى حجرة " نعناعة " تشرب معها فنجانا من القهوة فى حين اقبع أنا الى جوارهما وكفى على خدى استمع واراقبهما ..... سعيدة هانئة وكانت " نعناعة " ...... تلك الايام . الايام الاولى لزواجها . سعيدة ككل عروس ، لا تذكر خلال الحديث اسم زوجا الا مسبوقا بلقب " الشيخ " أو ب " سيدى " . وترينا أثوابها ..... ونحاسها واساورها . وتحكى لنا كيف اشترى بالنقوط زوجين من البط وأخرين من الاوز والارانب تربيها على السطح لتبدا لنفسها تجارة صغيرة . فقد تهافت أهل " السيدة " على احياء زفاف بنت حيهم الفقيرة التى طالما أطعمتهم فجلا ريانا جلبته لهم من " أمبابة " سيرا على قدميها . وتنافس الرجال بشهامة على الوكالة عنها عند عقد قرانها كانت " نعنانة " تقص علينا ...أنا " وأم وهيبة " ....... كل ذلك وهى فرحة . مضطربة ومرت شهور . وزدت أنا عفرته وبت مصدر قلق لمن فى البيت جميعا . فالحقتنى أمى بالقسم الداخلى من مدرسة أجنبية معروفة بصرامة مدرساتها .... وكنت لا اعود الى البيت الاليلة واحدة ف نهاية الاسبوع . ابيتها متوسدة ذراع أمى فى حين الف
|
كل حقوق النشر
©
مجلة عبير
الحياة 2008-2009
|
bravenet.com